حفلت
الجلسة الثانية من فعاليات الندوة الدولية التي تقيمها مؤسسة
الملك عبدالعزيز للدراسات الاسلامية والعلوم الانسانية بالدار
البيضاء بأوراق عميقة تحت لافتة (مسألة فهم المسارات
التاريخية).
ترأس
الجلسة المفكر التونسي محمد كرو الباحث في معهد البحوث المغاربية
المعاصرة. وكان محور المداخلات مسألة فهم المسارات التاريخية وقد
شارك في هذه الجلسة هيليل فرادكين ممثلا عن المعهد الأمريكي
للأبحاث في السياسات العمومية بواشنطن، والدكتور عزيز اسماعيل
الأستاذ بمعهد الدراسات الاسماعيلية بلندن والبروفسورة المختصة
في معهد العلوم السياسية بجامعة الماين بألمانيا: روث زيمرلين.
وتغيب عن الجلسة الباحث الكبير الدكتور عبدالله العروي لكنه أوفد
عنه الدكتور علي بن مخلوف ليقرأ ورقته في هذه الجلسة.
فبعد
افتتاح هذه الجلسة، أخذ الكلمة الباحث الأمريكي هيليل فوادكين،
اتخذ من حالة فكر ابن الطفيل وفلسفته عينة ومجالا للدرس الفلسفي
ليستخلص من خلالها الاشكالات المعاصرة والسرديات القديمة. وقد
لوحظ على هذه المداخلة ميلها عن العنوان المحدد وجنوحها نحو
تفسير ظاهرة الارهاب وما يستتبعها من مفاهيم السلفية
الجهادية.
العروي:
التاريخ والعقلانية
أما
الورقة التي ارسلها الدكتور عبدالله العروي فقد تميزت بكونها
ورقة تحاول استشراف البعد التركيبي في التاريخ، وذلك البعد الذي
عجزت مجموعة من الدراسات ان تقاربه لاعتبارات منهجية كيثرة ساقها
العروي في مداخلته.
وقد
وطأ لمداخلته بتوصيف للحالة العربية الاسلامية بعد خروج المستعمر
معتدة انه بعد صراعات طويلة من اجل استقلال البلدان المستعمرة
ظهرت أيديولوجيتان:
*
الايديولوجية الوطنية
*
الايديولوجية
الاشتراكية
اما
الليبرالية فلم تلعب إلا دور التبرير للاستعمار الاوروبي بينما
الوحيد الديني ظل إما صامتا أو محركاً للمقاومة ضد القوى
الاستعمارية.
فإن
السؤال المطروح بإلحاح: هو على أية قاعدة يمكن ان نبني
بلداننا؟
لقد
كان مفهوماً اننا لا نستطيع ان نستمر على ذات الوضع الاستعماري،
كما انه من غير الممكن ان نعيد استدعاء الماضي الذي كان سبباً في
مجيء الاستعمار.
الوطنيون
قالوا: ان الاستعماريين انشأوا انظمة تأسست في ضوء تجارب
المستعمرين وثقافتهم الاصلية.
وفشلهم
يدل على ان هذه الانظمة المستحدثة لا تنسجم مع متطلبات وضعنا
الداخلي، إننا ينبغي ان نفكر لأنفسنا لا ان يفكر لنا وينبغي ان
نسجل تميزنا واختلافنا عنهم. وهكذا ظهرت النزعة الوطينة،
والاشتراكيون انفسهم اضفوا على إيديولوجيتهم مسحة وطنية هكذا
انيرت الاشكالية النفيعة وبدت تؤطر مركز التفكير: نريد ان نكون
احراراً مستقلين عن أي تدخل اجنبي، نريد ان نبدع، وان نعالج
الاختلالات، وان نوسع خبراتنا الانسانية.
لكن
هل كان هذا الحلم واقعيا؟
من
سؤال إلى سؤال تحول الفكر الوطني إلى طرح قضية الاصلاح؟ وهل يتم
بمنطق الاستمرارية أو القطيعة؟
الاصلاحي،
أو رجل الحدث أو الرجل السياسي أو الرجل التاريخي، وهي تعابير
لها نفس الدلالة الاصطلاحية عند الدكتور العروي، قد حدد هدفاً
ومنالاً ونموذجاً يحتذيه فهو يختزل رؤية معينة للتاريخ سواء جزأه
أو نظر اليه في شكله الكلي فهو يتبنى رؤيته التاريخية ويسعى
ليحقق هدفه الذي يهمه لنفسه.
ويرى
الدكتور العروي ان لدينا نموذجين من التفكير في الحقل
التاريخي.
*
نموذج الرجل الذي يحمل مثالاً
ونموذجاً أو رؤية
يرى عبرها العالم.
*
نموذج الرجل السياسي. رجل الحدث ويمضي
في تفصيل هذا النموذج، طبقاً للبرنامج العملي الذي يضعه نصب
عينيه.
فالحسن
الثاني مثلا كان محور انشغاله هو بناء جهاز الدولة وجمال
عبدالناصر انصرف همه إلى الوحدة العربية والخميني كان همه اسلمة
المجتمع الإيراني وتصدير قيم الثورة خارج إيران إلى دول الجوار
والعالم.
فالنموذج
الاول، حسب الدكتور العروي، متعطش لمعرفة التاريخ الكلي، ولكن من
داخل رؤيته ومثاله الذي يتبناه، حتى لا يتحرك هو بنفسه وانما عن
طريق النيابة او بأمر من الرؤية أو المثال الذي يتبناه اما
النموذج الثاني فهو نموذج الرجل السياسي فهو الذي يلح على تاريخ
محدد يصوغه بمقاسه حتى يشرع في تنفيذ برنامجه العملي.
ويرى
الدكتور العروي ان كل الفلسفات الاطلاقية القديمة منها
والمعاصرة. كانت تعتقد ان الحدث التاريخي انما يقع خارج التأثير
الانساني بواسطة تدخل القدر أو بعمل الصدفة. وهي بهذا الاعتبار
مصنفة ضمن الفكر الديني أو الثيولوجيا، ولا يمكن ان يتعامل معها
سواء.